سيد محمد طنطاوي
39
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
بإرشاد من الأصنام فلهذا كان الاستقسام بها فسقا وخروجا عن طاعة اللَّه . وفضلا عن هذا فإن الاستقسام بالأزلام طلب لمعرفة علم الغيب الذي استأثر اللَّه به ، وذلك حرام وافتراء على اللَّه - تعالى - وإلى هنا تكون الآية الكريمة قد ذكرت أحد عشر نوعا من المحرمات عشرة منها تتعلق بالمأكولات ، وواحدا يتعلق بالأفعال . وهناك مطعومات أخرى جاء تحريمها عن طريق السنة النبوية ، كتحريمه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم الأكل من لحوم الحمر الأهلية . وبعد أن بين - سبحانه - هذه الأنواع من المحرمات التي حرمها على المؤمنين رحمة بهم ، ورعاية لهم ، أتبع ذلك ببيان مظاهر فضله عليهم ، وأمرهم بأن يجعلوا خشيتهم منه وحده ، فقال - تعالى - : * ( الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ واخْشَوْنِ ) * . وقوله * ( الْيَوْمَ ) * ظرف منصوب على الظرفية بقوله * ( يَئِسَ ) * . والألف واللام فيه للعهد الحضوري ، فيكون المراد به يوما معينا وهو يوم عرفة من عام حجة الوداع . ويصح أن لا يكون المراد به يوما بعينه ، وإنما أراد به الزمان الحاضر وما يتصل به ويدانيه من الأزمنة الماضية والآتية . وقد حكى الإمام الرازي هذين الوجهين فقال ما ملخصه : وقوله : * ( الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ ) * فيه قولان : الأول : أنه ليس المراد به ذلك اليوم بعينه حتى يقال إنهم ما يئسوا قبله بيوم أو يومين ، وإنما هو كلام خارج على عادة أهل اللسان أي لا حاجة بكم الآن إلى مداهنة هؤلاء الكفار ، لأنكم الآن صرتم بحيث لا يطمع أحد من أعدائكم في توهين أمركم ، ونظيره قوله : كنت بالأمس شابا واليوم قد صرت شيخا . لا يريد بالأمس اليوم الذي قبل يومك ، ولا باليوم يومك الذي أنت فيه . الثاني : أن المراد به يوم نزول هذه الآية . وقد نزلت يوم الجمعة من يوم عرفة بعد العصر في عام حجة الوداع سنة عشر من الهجرة ، والنبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم واقف بعرفات على ناقته العضباء » « 1 » وقوله : * ( الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ ) * أي انقطع رجاؤهم في التغلب عليكم ، وفي إبطال أمر دينكم . وفي صرف الناس عنه بعد أن دخلوا فيه أفواجا وبعد أن صار المشركون
--> ( 1 ) تفسير الفخر الرازي ج 11 ص 137 .